At LaksaR Daira de Bechoul Wilaya de Bouira ALgerie

At LaksaR  Daira de Bechoul Wilaya de Bouira ALgerie

Medini Hammouche page 01


الجريح

المجاهد حموش ميديني ولد بقرية عين بقرة  في الثلاثينات من القرن الماضي. 

ابن الشهيد حسين رحمه الله - و ابن المسبلة طاوسبودرافرحمها الله.

   اخو الشهيدين :البطل أحمد ميديني رحمه الله - و العفيفة الشريفة أم العيد بن عقدي ( أخته من أمه ) رحمها الله .

   أخو المسبل السجين محمد ميديني أطال الله في عمره .

   رفيق 14 شهيداً من قريته الذين شاهد استشهاد معظمهم و بيديه دفن بعضهم.

   زميل الشهيد الشيخ المولود (من نواحي تازمالت ) رحمه الله .

   نشأ كغيره من سكان قريته نشأة بائسة قاسيةٍ: الحرمان ، الجوع  العراء،سيمتها. ربما كان هو أوفرهم حظاً ، إنه الوحيد على مستوى القرية الذي ألحقه والده بإحدى الكتاتيب حيث حفظ بضعة أحزابٍ من القرآن الكريم ، و تعلم إلى حدٍ ما شيئاً من مبادئ القراءة و الكتابة باللغة العربية ، مما أهله أن يكون مساعداً للشيخ المولود في الجامع. وكان يتميز بهدوئه ورزانته وذكائه الحاد مما جعله يستوعب بسهولة معاني الثورة وأهدافهاوأبعادها، رغم حداثة سنه ( يومها لم يتجاوز عمره السابعة عشر ربيعا ) فقد انخرط في العمل الثوري عند وصول أولطلائع جيش التحرير الوطني كمسبل بكل نشاط وهمّة وانضباط ، وطموحه أن يلتحق بصفوف جيش التحرير جنديا ... كثيرا ماكان يعرض الفكرة بإلحاح شديد علي قيادة جيش التحرير ، لكن طلبه كان يصطدم دائما بالرفض، وحجتهم في ذلك انه صغير السن ، ثم أنهم لا يستطيعون الاستغناء علي خدماته كمسبل ، لأن ما يقدمه وهو مدني أعظم بكثير مما سيقدمه وهو عسكري ... حجتهم لم تقنعه ولم تشبع رغبته ... ظلّ كذلك وهو يتمني أن تتاح له الفرصة لتحقيق آماله ، وأخيرا جاءت الفرصة ... جاء اليوم الميمون.. صبيحة ذاك اليوم استيقظ الناس من النوم فوجدوا القرية مطوقة بحشد كبير من عساكر الجيش الفرنسي يقوده "الكبتان دال ماص" بنفسه ... أشرقت الشمس فأمرالكبتان عساكره بالتقدم إلي حارات القرية ... اخرجوا السكان من البيوت (رجالا ونساء ،كبارا وصغارا ) وحشروهم قرب الجامع في " أزقاق ايعكوشان " محاطين بكوكبة من العساكر أياديهم علي الزناد استعدادا لإطلاق النار عند أي حركة مريبة ، والآخرون موزعون علي البيوت يفتشونها تفتيشا دقيقا ،ويعيثونفيها فسادا وتخريبا ، اتلفوا كل شيء حتّي المواد الغذائية لم تسلم من وحشيتهم ، في الوقت نفسه تقدّم "دال ماص" وبيده كنّاش به قائمة المطلوب إيقافهم وحموش قيمقدمتهم ، لحسن حظه انه لم يبت تلك الليلة في القرية كان في"امْلاوًا"عند ابنة عمته " لالة ذهبية " . ..

أكمل العساكر مهمتهم ... دوّت أصوات الصفّارة فتجمّعوا في "دار ناث اعلي " ... أمرالكبتان بالتحرك نحو ثكنة " تيكرين" ... تحرك العساكر متتابعين الواحد خلف الآخر ومعهم معتقلين أياديهم مكبلة إلي الخلف ... العساكر ذهبوا من هنا وحموش اطلّ من هنا،

دخل القرية وعلم بما حدث ... تألم كثيرا لاعتقال رفاقه ، في الوقت نفسه سُرّ أيّما سرور لورود اسمه في قائمة المعتقلين (ثَسْوَايسْدْاسْوًذْفًلْ) - ارتوت له بالثلج كما يقال –إنها الفرصة التي انتظرها طويلا وبشوق كبير ... حجج قيادة جيش التحرير الوطني التي اعتمدوها في رفض تجنيده سقطت كلّها ... الطفل الصغير قد كبر ... صار رجلا بالبرهان والدليل ... هاهو اسمه مدوّن في قائمة المطلوبين عند العدوّ ... هاهو "الكبتان دال ماص" قد حضر بنفسه لاعتقاله ... لم يبق لقيادة جيش التحرير إلا الاعتراف بالواقع والنزول عند رغبته... ففعلوا ....



هكذا التحق  حموش بصفوف جيش التحرير الوطني عام 1956 م ... هكذا انتقل من الحياة المدنية إلي الحياة العسكرية... وبدا العدّ بطيئا بالأيام ثم بالشهور ثم بالسنوات ، وبلغ العدّ ستّ سنوات ، سنة تتكئ علي الاخري ، كل واحدة منها تعادل قرنا قياسا بما تحمله من الصعاب والقسوة والأهوال ... خلالها راح يجوب جغرافية الناحية الثانيةمن المقاطعة الثانية في الولاية الثالثة جبلا جبلا ... تلة تلة ... واديا واديا ... شعبة شعبة  ، كلّ مكان بقصة تصلح أن تكون فيلما دراميا مرعبا ( قصة سحاريج شمال عجيبة أين فتّت اللغم جسد الشهيد محند ابركانامليكشيمسؤول الناحية الثانية أمام ناظريه وعلي بعد خطوات منه – قصة ثيغزارثانتغانيمت جنوب بشلول أينسقط أمام عينيه الشهيدين عمار عزيري وحموش أيًعلاوفي كمين نصبه العدو باحكام ... ) قصص كثيرة لا تعد ولا تحصي ، كل مكان بقصة من المجد والبطولة ....  البطولة ليست كلمةٍ عابرة ... ليست لفظة قاموسية جامدةبلامعانٍ و لا دلالات .

- أن تعرف عدوك ..............بطولة.

- أن تحمل القضية – تحدد الهدف – تتخذ قراراً حاسما ...بطولة

- أن تقرر الانضمام إلى صفوف جيش التحرير الوطني متطوعاً دون أن تنتظر جزاءً أو شكراً.............  بطولة.– أن تقنع بقطعة كسرة يابسة من الشعير وقد لا تجدها لأيام وأيام فتعوضها بحشائش الأرض ... بطولة .

- أن تصبر على الشدائد و الأهوال و في ذهنك: الجزائر أولاً الجزائر ثانياً .......الجزائر دائماً و أبداً..............بطولة.

- أن تُقبل و الموت متربص بك في كل لحظةٍ ، إن نائماً أو مستيقظاً .. إن جالساً أو واقفاً..إن بلغم أرضي ، أو بقذيفة مدفع أو دبابةٍ أو طائرةٍ .. إن ببرميل كيماوي حارق خانق أو بوابل رصاص من رشاشات متنوعة في كمين محكم ..........بطولة .

- أن يتساقط حولك رفاق السلاح في أكثر من معركة و تعض على آلامك ...تمسك دمعتك... فتلملم أشلاءهم بيديك لتواريها التراب ......................بطولة .

- أن تزيدك المشاهد المروعة صلابة ، عزيمة ، اقداما ، إيماناً بالقضية ..................بطولة.

- أن تعض على جراحك - تسيطر على أوجاعك – تكبح أنينك – تتحدى البرد القارس بجسد عارٍ و رجلٍ حافٍ و بطنٍ خاوٍ – وبندقية فارغة ٍ – و أنت بين شجيراتٍ تراكمت الثلوج عليكما معاً، و جند العدو على بعد خطوات منك سبابات أياديهم على الزناد ....................بطولة.

- أن تنتصر على ضباط لاساسفي حرب الدعاية  و الإشاعة    و الاستخبارات ....................بطولة .

- أن يحقد عليك  اليوطنا "فالي" و يمني نفسه جهاراً نهاراً بأسرك حيّاً قائلا :

     Dans cette région là, les fellagas n'existent plus sauf « Hamouche », je sais qu'il se cache là auprès de l'une de ces collines………..,

     Je vous promis qu'un jour je l'attraperai vivant et bien sur je le ramènerai à sa maman ,espérant qu'elle sera reconnaissante …ha… ha… .ha…. un sourire artificiel 

     Les souhaits du lieutenant « Valé ». Le jour de l'enterrement  de chahid « Medini Rabah » oncle de « Hamouche ».

الفلاقة في هذه النواحي قد تمت تصفيتهم جميعاً باستثناء حموش  أعرف أنه في مخبئه عند إحدى هذه التلال- أعدكم أنني سأسره حيّاً و آتي به إلى أمه ، و أعتقد أنها ستشكرني على ذلك "ها..ها..ها" ضحكةٌ اصطناعية مبهمة .

   و ذلك كان يوم تشييع جثمان الشهيد "ميديني رابح " إلى مثواه الأخير رحمه الله - عم حموش–عندما سمع زغاريد النسوة فسأل عن السبب فقيل له :

إنهن يأملن أن ترتاح العائلة من مداهماتكم لمنازلهم و إيذائهم بسبب هذا الفلاقي.و الحقيقة أن الزغاريد كانت افتخاراً و اعتزازاً باستشهاده بطلاً .    في ديسمبر 1960 م ، و الطبيعة تزينت برداء أبيض من الثلج ... أعمدة الجليد تتدلى من رفوف سقوف البيوت و أغصان الأشجار كسيوفٍ أو رماحٍ في راح الجند المتأهبين لاشرس المعارك ... درجة الحرارة متدنية إلى ما دون الخمسة تحت الصفر.

   الفرصة مواتية لليوطنا فالي- قائد ثكنة ليكول بأولاد راشد- , المعلومات عنده شبه أكيدة تقول : أن حموش رفقة ستة أو سبعة من الفلاقة في مركزه بأَقَرُويْ أَمَلاَلْ "التلة البيضاء " المطلة على قرية إِغْزَارْ أوُمَزْياَبْ من الشمال – قرية خالية ضمن المناطق المحرمة آنذاك– و على بعد كيلو مترين أو ثلاثٍ شرق قرية أولاد عبد الله .

اقروي املال

(صورة تلة  اقروي املّال : المكان الذ ي وقعت فيه المعركة في ديسمر 1960م  واسفرت عن سقوط ارعة شهداء   وأصيبحموش بجروح بليغة )  المعلومات على المكتب أمامه تقول أيضاً : أن الفلاقة لا يخرجون من المركز لإقامة الحراسات في مثل هذه الأجواء خوفاً من اكتشاف المركز بواسطة الآثار التي يتركونها على الثلوج ، خاصةً و أن سمكه حوالي 40 سم .

   لا شك أن اليوطنا قلق جداً لأنه يعرف خصمه جيداً.. يعرف من هو حموش .. قد سبق أن تعامل معه في عدة عمليات ، و في كلعملية يفلت حموش و يخرج منها منتصراً بفضل ذكائه و دهائه

و توظيفه للمعلومات الاستخبارية توظيفاً عسكرياً بارعاً.

   بناءً على المعلومات الأكيدة ، و المعرفة السابقة للخصم مع دراسة شخصيته ، و أساليبه  في العمليات السابقة، وضع  فالي خطة محكمة أساسها الكتمان و السرية و المباغتة ... لتنفيذ الخطة طلب قوات إضافية من ثكنة زريبة ، و ثكنة إغيل لمحلة ، و ثكنة تيليوة .

   في النصف الأخير من تلك الليلة التاريخية القمراء– و الجليد الأسود  يقطع الأذان ..يجدع الأنوف..و يرعش الأكباد في أجوافهاتحركت قوات عساكر الجيش الفرنسي ،  بما فيهم الحركة الذين استدعوا في اللحظات الأخيرة على عجل ، و هم يجهلون كل شيء عن العملية - زمانها ، مكانها، أهدافها - (هؤلاء الحركة الخونة لا يثق بهم حتى أصدقاؤهم الفرنسيون)                              

( من أهان نفسه سهل هوانه عند غيره )

   قبل طلوع الشمس كانت قوات الجيش الفرنسي تُطَوِقُ أَقَروُّيْ أَمَلاَّلْ ، و تضرب حوله حصاراً شديداً ، كان تعدادهم حوالي 500 عسكري مدججين بكل أنواع الأسلحة ، مقابل سبعة من المجاهدين كل ما لديهم من الأسلحة : بنديقتي صيد بحوالي عشرة طلقات من الرصاص – بندقية العشاري نصف آلية بخزانٍ واحدٍ من الذخيرة- مسدسين- 9ملم بخزان واحد من الذخيرة، و 7ملم بخزان واحد من الذخيرة، قنبلتين يدويتين(إحداهما هجومية و الأخرى دفاعية )

   أشرقت الشمس و بدأت قوات الجيش الفرنسي تتحرك لتضييق الطوق حول الهدف ، فالتقط عمي الحاج صاحب الأذن الراداريةصوتاً غير اعتيادي.. تقدم نحو باب الكهف بحذرٍ ، و من خلال شجيرات كانت بمثابة ستار للباب ، رأى عساكر العدو في الجهة المقابلة يتموقعون ..التفت نحو رفاقه بهدوئه المعهود فقال : نحن مطوقون ، استعدوا يا أولاد.

قال احد  الرفاق :أهي وشاية ؟

قال الأخر : انتظروا .. لعله مجرد تمشيط   عاد، كثيراً ما يفعلونها في مثل هذه الأجواء .

قال يحي أوسالم (صفوان ) : قد يكتشفوننا بالصدفة .. أوصيكم ألا تستسلموا .. الشهادة أفضل من الأسر. و نحن ما خرجنا إلا للاستشهاد في سبيل الله ، و من أجل تحرير الوطن .

  ثارت حمية أرزقي و أنشد بصوت خافت معبئ بطاقة هائلة من الحنان و الشجاعة و الحماسة في آنٍ :

(تضحيتنا للوطن خير من الحياة   أضحي بحياتي و بمالى عليك)

عندها سُمع صوت جهوريٌ باللغة الفرنسية يقول

Hamouche … nous savons que tu es là avec d'autres fellagas .vous êtes encerclés, alors jetez vos armes et sortez vous n'avez aucune chance de s'enfuir.je vous donne 2 MN .

حموش ...أعرف أنك هنا رفقة بضعة فلاقة أنتم مطوقون ... أرموا أسلحتكم و أخرجوا ...لا حظ لكم في الخروج أحياء إن رفضتم الاستسلام- لديكم دقيقتين .

ثم صوت أخر باللغة الأمازيغية يقول :

أأأحموُ ... العسكر أَزّيِناَوَنْدْأَمَشْليِمْ،أوُثَسْعيْمْذاَشوُأَلَثْخَذْمَامْ ،زَلّيِثْ لَسْلاَحْ أَنْواَنْ ،ثَفْغَامْدْأَخيِرَاوَنْ .

حموش ...العسكر يطوقونكم كالجراد ، لا حظ لكم ، أرموا أسلحتكم و أخرجوا خيرٌ لكم .

عندها التفت حموش إلى الرفاق برزانته و ثباته و شجاعته المعهودة قائلاً : لا تصغوا إلى الخنازير ، انتبهوا. أولاً : أتلفوا كل الوثائق التي تضر الثورة و الثوار – و بدوره مد يده إلى المحفظة ففتحها و أخرج الوثائق، و راح يحرقها وثيقة بعد وثيقة ، و هو يعطي الأوامر: انتبهوا .. في اللحظة المناسبة عندما تسمعون مني الله أكبر اندفعوا بأقصى سرعةٍ كتلة واحدةً ، و تدحرجوا إلى الوادي ، ثّم تفرقوا في كل الاتجاهات ،و اجتهدوا في اختراق الطوق ، إنهم جبناء، سيرتبكون، و عليكم اغتنام الفرص ، ثم توجه إلى الرفيق محند أكلي قائلاً : موح ..أجبهم ..

بجانب الباب سدد موح بندقية العشاري فأطلق طلقتين ، فرد العدو بوابل من الرصاص  .

- أرزقي ارمي القنبلة إلى الوادي، لعلها تفعل فعلها إن كانوا هناك.

- عمي الحاج .. موح .. ارموا عليهم .

و بدوره فتح القنبلة الدفاعية فرماها في جوف الوادي، و سرعان ما تصاعد الدخان، و امتلأ المكان .

- الرصاص من جهة العدو يتهاطل كالمطر مدة دقيقة أو أكثر.. ثم توقف .

- الله أكبر .. اندفع المجاهدون كتلةً واحدةً متدحرجين إلى الوادي.. عمي الحاج .. أرزقي .. سي أحمد أوزفون..وصلوا إلى جوف الوادي جثث هامدة .. فاضت أرواحهم ..و انتقلوا إلى بارئهم شهداء .. رحمهم الله .

- محند أكلي تمكن من اختراق الطوق، فخرج سالماً من الجهة الشرقية . و كذلك بالنسبهلمجاهد آخر(نسيت اسمه).

- يحي أوسالم (صفوان ) كاد يخترق الطوق من الجهة الشمالية لولا أنه رأى أمامه كوكبةً من العساكر، ففضل الاختباء بين الشجيرات تحت الثلج ، و لكن أحد الحركة الخونة اكتشف أثاره، فتتبعها إلى مخبئه ثم نادى العساكر : فلاقي إنه هنا ...

عندها خرج سي يحي و هو يقول له :الويل لك أيّها الخبيث اللعين، أتعتقد أنهم سيبنون لك قصراً في الجنة .

قال له الخائن ويده على الزناد ترتعش : أسكت و إلا أفرغت فيك الخزان.

سي يحي : أطلق أيّها الجبان... لعلك تحصلعلى وسام من حديد صدئ مثل وجهك القذر .

فما كان من الخبيث إلا أن أفرغ حقده و غله ، فانطلقت الرصاصة الحارقة الخارقة من فوهة بندقية القارا .

 خرّ سي يحي على الأرض و هو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله .. الحمد لله لقد فزت بها .. تحيا الجزائر .. المجد

و الخلود للشهداء الأبرار .

   نال الشهادة كما تمناها ذات يومٍ و هو يدردش مع الصبيةٍ ( أشبال الثورة ) قائلاً لهم : الاستعمار سيندحر لا محالة ، و أنتم من يعيش زمان الاستقلال ، تعلموا كي تحافظوا على استقلال الجزائر ، فبالعلم تحفظ الأوطان و تصان ، و أوصيكم أن تقولوا دائماً .. رحم الله الشهداء .. وأتمنىأنأكون منهم.              رحمك الله أيّها البطل، ورحم جميع الشهداء-الوصية : والله ما نسيتها ، ولن أنساها ما حييت .

أما حموش فقد أصيب بجروح بليغةٍ على مستوى البطن السفلي     و رغم ذلك تمكن من أن يزحف تحت ركام الثلج بينالشجيرات بضعة أمتار، و اختبأ هناك .

 انتهت المعركة و توقف الرصاص ، و جاء اليوطنافالى وقال :

من هو  حموش من هؤلاء ؟ - كانوا قد جمعوا الشهداء  في مكان  واحد .

- أجاب الحركة : ليس بينهم حموشمواليُوطنا .

- من هؤلاء ؟

- لا نعرفهم مواليوطنا .

- اليوطنا : هل هناك من خرج من الطوق ؟

- نعم مواليوطنا ...اثنان فقط ... نجا بأعجوبةٍ .

- إنه هو .. الوغد .. كعادته .. لقد أفلت مني مرة أخرى....... رفع رأسه إلى السماء، و قال بصوت عالٍ كأنه يخاطب حموش مباشرةً : سأنال منك أيّها الوغد إن عاجلاً أو آجلاً .

- حموش على بعد أمتار منه .. لا شك أنه سمعه ، و أتصور أنه هز رأسه ساخراً منه و قال في سره : أيّها الخنزير النتن... إنني في عناية الله .. سأجننك إن حياً ، أو ميتاً .. أولم يخبرك عنا زميلك دالماص قائد ثكنة تيكرين .

اليوطنا : من أطلق النار على الفلاقيالرابع؟

-تقدم الخائن إياه، بعد التحية العسكرية ،قدم نفسه وقال : أوامركمواليوطنا ..

-اليوطنا:راحة...أأنت من أطلق النار على الوغد ؟

-الخائن: نعم مواليوطنا ... كاد يفلت من الطوق لولا أنني اكتشفته وأطلقت النار عليه ..

-اليوطنا:أنت جندي جيد – مخلص لفرنسا – القيادة العسكرية ستكافئك على هذا – انصرف .

-الخائن : وهو ينصرف : مرسي مواليوطنا.

( نعم كعادة ضباط الجيش الفرنسي، يكافئون من يغتال الأسرى بدل معاقبتهم ،طبقا للقوانين ..والمعاهدات.. والمواثيقالدولية..

الشهيد سي يحيى كان اعزل من السلاح ،محاطا بالعساكر-أسره كان ميسورا ومتاحا .. لكن الخائن اختار اغتياله ،فرُقي بتلك الفعلة الشائنة إلى رتبة كابرال،واستبدل بندقية القارا (نصف آلية) ببندقية آلية ما ط 49 .

عشية الاستقلال هرب مع الهاربين إلى فرنسا خجلا من فعلته القبيحة .وأتصور انه يعيشهاكوابيس مرعبة مدى الحياة ،و يكفيه ذلك عقابا دنيويا .. قبل الآخرة ) .

بعد انتهاء العملية أمراليوطنا العساكر بالتحرك نحو الثكنة ، وهو مهموم......مغموم.....مكسور الخاطر.....الخطة فاشلة ،لم تحقق الهدف المنشود ..في رأسه تتسابقالأسئلة:هل هذا معقول ؟ كيف تمكن من الإفلات ؟ أهو بشرأم جان ؟ الويل له....... يتبخر كالشبح

أصوات الجيش الفرنسي و جلبتهم ،بدأت تبتعد شيئا فشيئاً إلى أن خفتت و انتهت نهائياً ، و خيم السكون المهيب على المكان ، كأن الكائنات تصلي في خشوع على أرواح الشهداء ... و حموش ما يزال في مكانه يقاوم آلام الجراح ، و قسوة البرد الشديد ..

   رفاق السلاح في المراكز القريبة من مركزه ، ليس بوسعهم أن يصلوا إليه قبل يومين أو ثلاثة أيام .. لا يستطيعون فعل ذلك قبل أن يتأكدوا من خلو المكان من عساكر فرنسا تماماً ... إنهم يعرفون خداعهم و مكرهم ... كثيراً ما يلجأ العدو إلى نصب الكمائن في موقع المعركة بعد التظاهر بالانسحاب،للإيقاع يمن يأتي لنجدة الجرحى و دفن الشهداء ، أو يلجأ إلى تلغيم المكان .. .. و حتى جثث الشهداء.

   العناية الإلهية وحدها هي المعول عليها ... وقد تدخلت فألهمت الجريح صبراً عظيماً.....عزيمة قوية.... قدرة عجيبة على التفكير .... عليه أن يفكر في كيفية الاتصال بالمسبلين ، هم وحدهم من سيساعدونه .. و لكن ذلك ليس قبل حلول الليل .

   إذاً عليه أن ينتظر بضعة ساعات – بحركة عفوية امتدت يده إلى شجيرة كانت إلى جواره ، فانتزع منها وريقات .. رفعها أمام عينيه: إنها نبتة الفجل( أَوَرْمِي) ...نعم هي ... الجدات كن يعالجن بها الجروح ... و كذلك تَاصلْغَ ..راح يبحث عن الشجيرتين .. و لحسن الحظ كانتا في جواره بكثرةٍ – بالمضغ صنع عجينة من أوراق النبتتين ، و وضعها على الجروح ، ثم ربط عليها بقطعة قماش قطّعها مما  بقي على جسده من ثياب ٍ .

   سويعات الانتظار مرت ثقيلة ... بطيئة ... طويلة ... كأنها الدهر... أخيرا حل الليل و خيم الظلام ... خرج الجريح من مخبئه مستعينا بغصن قطعه من شجرة الصنوبر، و اتجه نحو القرية يتهادى بخطوات ثقيلة ... متعبةٍ ... أشرف على القرية ... بينه وبين الأسلاك الشائكة المحيطة بالقرية شعبة صغيرة (ثَاسيِفْثْأُوُبَرْبَارْ).. توقف هناك و فكر... هل يدخل القريةو يطرق باب أحد المسبلين؟ لا ... في ذلك مغامرة كبيرة ... قد يتفطن له أحد الخونة و يشي به فيحدث ما لا يحمد عقباه .

   الحل في أَعَرْقوُبْ الراشد حيث بيت عمته زازة ( هو بيت خارج القرية المحاطة بالأسلاك الشائكة ،ضمن المنطقة المحرمة ليلا ، تجمع فيه بعض التبن و البرسيم لعنيزاتها– كثيرا ما يلتقي بها هناك) ... توجه إلي البيت وهو يكاد لايقوي علي رفع قدميه من الأرض ، كان يجرهما جرا ، ويدفع بجسده إليالإمام دفعا ... الإرهاق بدا ينال منه ... البرد وحده كفيل بإزهاق روح الإنسان فماذا وقد أضيفت له الجروح والجوع – الطعام قد انقطعت رائحته منذ ثلاثة أيام .. منذ أن حاصرته الثلوج ورفاقه في"اقرُّويْ املّالْ" علي بعد حوالي عشرين مترا او تزيد قليلا من بيت عمته ..... بالضبط عند باب حارة العكلي محند خارت قواه تماما ، والثلج بدا ينزل كقطع من الصوف وكأن الله عز وجل أراد بذلك أن يمحو الآثار التي تركها خلفه ... أكمل الجريح بضعة خطوات بصعوبة ودلف إلي البيت ...لحسن حظه وجد البيت مملوء بالتبن والبرسيم

مهد مكانا في التبن كالعش ودخل فيه ثم سحب بعض البرسيم فتغطي به طلبا للدفء والسترة معا ، وحمد الله الذي هداه إلي ذلك المكان ... المكان عنده فندق ذو خمسة نجوم ... بدا النعاس يداعب جفونه مع بداية تسرب بعض الدفء إلي جسده المنهك ... استسلم للنوم علي أملأن يستيقظ قبل الفجر كي يكمل الطريق إلي بيت عمته ... وهو نائم وجد نفسه في مكان فسيح مفروش بزرابي جميلة  لم يسبق له أن رآها قبل ذلك ، وموائد مملوءة بكل أصناف الطعام الشهي والفواكه اللذيذة ، فراح ينتقي منها ما تشتهيه نفسه وهو يداعب رفاقه الشهداء بألطف العبرات وأجمل نكتة مع حثهم علي الأكل وإرشادهم إليألذه وأطيبه ... وهو كذلك فإذا بجلبة الناس تتناهي إلي مسمعه.... فتح عينيه وأدرك انه كان يحلم ... وأدرك أن الشمس قد أشرقت ... هاهي أصوات البشر تصله بوضوح ... المشكلة الطارئة انه لا يستطيع أن يخرج من مخبئه ويتصل بأيّ كان طالبا المساعدة ، ثمّة عيون مبثوثة تلتقط كل الحركات المريبة وتنقلها إلي ليوطنا فالي ... فكان عليه أن يلازم مخبأه إلي حين حلول الليل متوكلا علي الله وحده طالبا منه أنيلهمهالجلدوالصبر ... مر النهار الطويل بسلام ، وجاء الليلفتحرك الجريح نحو بيت عمته ... المسافة قطعها حبوا وزحفا علي بطنه ، قدماه صارتا جامدتين تماما  ،لا تقويان علي حمل جسده ... يبدو أن الجهد الذي بذله نشّط الدورة الدموية فانبعث شيء من الدفء في جسده ، وانتعشت قدراته العقلية فتشبث بالحياة أكثر وراح يبحث عن أسباب لذلك ... فك سلك قفل الباب ودخل ... وضّب مكانا داخل كومة التبن ودخل فيه ثم تغطي ببعضه الآخر واستسلم للنوم وهو يتمني أن تعاوده أحلام الليلة الماضية .                       في الصباح بعد طلوع الشمس... ذهبت لالة زازة إلى البيت لجلب بعض التبن و البرسيم للعنيزات الجائعات .

   عند مدخل الباب لاحظت آثار أقدامٍ ، و لاحظت انتزاع قفل الباب ، فاعتقدت أن أحد العملاء قد فتش البيت .. دفعت الباب فدخلت، وهي تقول بصوت مرتفعٍ : حتى الكوربي يفتشونه – يعتقدون أنني أخفيت فيه المدافع ... ربما الدبابات و الطائرات أيضا ... أغبياء ..هاه ... شوية تبن و برسيم ...

   و هي كذلك..فإذا بصوت ينبعث من جوف الكوربي ينادي : عمتي ...عمتي .

   الصوت ليس غريبا على مسمعها ، لكنها خافت من أن تخدع فقالت بصوت عال : من هنا ... كفى لعبا ... هيا أخرج من مخبئك و إلّا جمعت الخلق كلهم عليك.

   قالت ذلك و هي تقلب البرسيم بيديها،و قدميها .. يمينا وشمالا . فجأة وقع نظرها على حموش داخل التبن فصاحت : ولدي ... أهذا أنت ؟ منذ متى و أنت هنا؟لاشك أن البرد و الجوع قد نالا منك ؟ راحت تزيح التبن على جسده و صرختثانية :ولدي أنت مجروح .. هل أنت بخير ؟ هلتستطيع الحراك ؟ ولدي ... حبيبي... خدعك الأجلاف ..و تهالكت إلى جانبه ،و راحت تضمه إلى صدرها ،و تطبع القبلات على خده وجبهته وجسده،والدموع في عينيها تسيل مدراراً.  

حموش : عمتي ... أرجوك  ... اهدئي ... أنا بخير ... و الله أنا بخير .

العمة : إذا أنت من اشتبك مع الأوغاد ما قبل الأمس ...  يقولون أنهم قتلوا أربعة من رفاقك

حموش : عمتي ... أتصدقين دعاية لاساس ؟ لا أحد من رفاقي أصيب ... كلهم خرجوا سالمين . أنا الوحيد الذي أصيب بجروح خفيفة – طبعا هم لا يتحدثون عن قتلاهم و جرحاهم ... تلك عادتهم لا يقولون الحقيقة أبداً-( رغم  ما هو عليه فإنه لم ينس المعركة النفسية التي كان يخوضها ضد ضباط لاساس باقتدارٍ ).

العمة و هي تتحسس جراحه بيدها : هل الجرح خطير؟ أيؤلمك كثيراً ؟

حموش : عمتي ... عهدي بك شجاعة ... قوية كالفولاذ ... ألست صاحبة كوكبة من الشهداء ؟ إخوتك – الحسين –أرزقي–رابح- ابن أخيك سعيد – أبناء عمومتك – زوجك السعيد دبال و أخويه محند أوُعاشوروسليمان أوزيذ . هؤلاء الشهداء لا نبكيهم ، بل نباركهم ... أيغيظك إنكنت واحدا منهم ؟ .

العمة : لا يا ولدي.. و لكنني أفضل أن تعيش لتواصل درب الكفاح ضد هذا الوحش الجاثم على صدورنا كالليل المظلم – آه متى ينزاح عنا هذا الكابوس، و ينبلج الصبح عن شمس الحرية و يحيا الأولاد و الاحفاد بكرامة ؟ .

حموش: قريبا إن شاء الله يا عمتي .

العمة : عليا أن أذهب لآتيك ببعض الأكل و بعض الثياب ... سأعود بسرعة .

حموش : لا ... لا يا عمتي ... ذهابك و إيابك سيثير الشكوك لدى إياهم . كل ما عليك فعله هو أن تبلغي أخي محمد ... وحده ... دون سواه . قولي له :أن يتصرف بهدوء ،و يتخلص من انفعالاته و حماسه ... الهدوء و السرية – و الباقي يعرف ما عليه فعله ... مع السلامة. ..لا تنسي التبن و البرسيم .

العمة : إلى اللقاء يا ولدي .

 

 

 

سفح جبل   حنجور

تيزه

اثقلعه

اعرقوبالراشذ

 

(صورة اعرقوب الراشد – المكان الذي اختبا فيه الجريح )

  عادت العمة إلى القرية ... دخلت بيتها أي بيت أختها فاطمة حرم أعراب الهامل ( شابه ) ، فوضعت التبن و البرسيم للعنيزات و هي تقول : العنيزات المشؤومات تأكل العبد إن لم تجد ما تأكله .

 

ثم أردفت:فاظمة... أنا ذاهبة لأتفقد ذاك التعيس ... لم أره منذ أسبوع ... ربما يكون مريضا .

   بيت محمد التعيس كما كانت تسميه ليس بعيدا ... مسافة أربعين أو خمسين متراً فقط .

   دخلت بيت محمد، و انتحت به جانبا، و بصوت منخفض أبلغته النبأ ، و نقلت إليه الأوامر... دون زيادة أو نقصان ( يومها ... الانضباط  و الالتزام بالأوامر سيمة الثوار-مجاهدون ومسبلون ) لكن لالة زازة قررت ان تخالف الأوامر هذه المرة ... عواطفها تغلبت علي عقلها... قررت أن تحمل إليهبعض الملابس وشيئا من الأكل فقالت : الديك بعض الملابس التي لا تحتاجها ؟

قام محمد واخرج من الصندوق كل اللباس التي يملكها فوضعها إمامها، وراح يساعدها في انتقاء ما يلائم مقاس حموش...    لالة زازة : اخرج إلي الحوش وانتظر هناك ريثما ارتدي هذه الملابس ..

محمد : ماذا تنوين فعله ..

لالة زازة : يجب ان انقل له هذه الملابس والأكل ، لاشك انه جائع ...

محمد : دعي المهمة لي ، سأتسلل عندما يحل الليل ...

لالة زازة : أنت لا تحاول الخروج من القرية ، لا ليلا ولا نهارا  قدتكون مراقبا ..

محمد : ماذا افعل إذن ... الظروف تملي عليّ التصرف وأنت تطلبين مني عدم التحرك ...؟

لالة زازةبنرة صارمة : تصرف ... لكن لا تتهور

محمد : اهدئي ... لباسسأتصرف .... قال ذلك وخرج إلي الحوشفاسحا المجال لعمته كي ترتدي الملابس .... 

بسرعة فائقة ارتدت الملابس وخرجت مودعة وهي تقول :

إن احتجتني اتصل .

محمد : بسلامة عمتي ... رعاك الله وشملك بعنايته ...

وصلت إلي بيت أختها فقالت لها : حضّري بعض الأكل بسرعة .

لالة فاطمة : هل ثمة ضيوف ؟




20/07/2014
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 54 autres membres