At LaksaR Daira de Bechoul Wilaya de Bouira ALgerie

At LaksaR  Daira de Bechoul Wilaya de Bouira ALgerie

Medini Hocine

                                    بابا الحسين                                 الشهيد ميدينى الحسين – رحمه الله – من مواليد العشرية الأولى من القرن الماضي بقرية عين بقرة  .

أبو الشهيد البطل  احمد ، رحمه الله ، والمجاهد البطل حموش ،والمسبل السجين محمد ، أطال الله في عمرهما .                                      اخو الشهيدين : رابح ، وارزقي ، رحمهما الله .

عم الشهيد  أسعيد ، رحمه الله .

عاش في قريته ككل السكان حياة صعبة .. قاسية . الجوع ... العراء ...

الإمراض سيمتها . إضافة إلى الضرائب والغرامات المرهقة التي فرضها المحتل الفرنسي الظالم.كان الواحد منهم يجهد نفسه فى تربية المواشي والإعمال الشاقة الأخرى طوال السنة  ، فقط كي يجمع ما يتجنب به حضور الويسى ( المحضر القضائي ) .

بابا الحسين كان كثير السفر، لبعض الأعمال التجارية البسيطة ، خلال هذه السفريات كان يلتقي برجال الدين لاسيما شيوخ الزوايا ، مما جعله أن يكون من أتباع زاوية ( سيدي الحملاوى )، وعلى طريقتها كان متدينا إلى حد التشدد ... اهل القرية كانوا يلقبونه ب (اخونى الحسين ) ولذلك كان على خلاف مع حمو وأعمر ، لان هذا الأخير (باديسى ) ينتسب إلى مدرسة ابن باديس ، كانا رحمهما الله كالقط والفار .. الأول كان يقول عن الأخير ( واكى ذاكليزى )، والأخير يقول عن الأول ( واكى ذاخورافى ) كان رحمه الله صارما ...الويل لمن يتحداه ، ويعاند فى الأمور التي يراها من الدين ...إن اخطات عليك إن تستغفر وتقلع عنه وإلا .. اتخذ ضدك قرارا قاسيا .. مهما كان الخطأ بسيطا .

هذه الصرامة التي كان يتميز بها جعلته يفشل في حياته الزوجية .. حيث طلق  زوجته لخطئ بسيط ....تافه .. ربما عند غيره لا يعد خطا أصلا  ، فتركت المسكينة  أبناءها الثلاثة في حضن والدهم مجبرة بفعل العرف السائد يوم ذاك ، حيث لا يحق للمطلقة أن تبقى في بيت طليقها كي تحضن أبناءها ، ولا يحق لها أن تحضنهم وهي في بيت والدها ، ولا يحق لها  أن تستقل في بيت لوحدها مع أبنائها ...انه العرف الاجتماعي المجحف ... الظالم... القاسي على الأم والأطفال معا .( الحمد لله ، اليوم لم يعد هذا العرف سائدا فى مجتمعنا .. بإمكان المطلقة أن تحضن أبناءها كيفما وأينما شاءت ، مع حصولها على حقوقها كاملة طبقا لقانون الأسرة الجزائري ) .

أهل القرية كانوا يهابونه .. اقرب الناس إليه بعد ابنه الصغير حموش – "يمينة " بنت أخته فاظمة ، لصدقها وأمانتها ووفائها ،و"احمد الهامل" صديق صباه ، لتدينه ومداومته على الصلاة ،  كثيرا ما كانا يترافقان إلى قرية أولاد عبد الله  لأداء صلاة الجمعة ، ذلك قبل أن يجمع أهل القرية على توظيف إمام الصلوات الخمس – سي المولود خليفى- الذي جاؤوا به من قرية ايبهلال – والفضل الأكبر في ذلك يعود إلى بابا الحسين .أما 

 الأطفال الصغار كانوا يحترمونه ويحبونه لأنه كان متسامحا..متساهلا

معهم إلى حد  التسيب ...انه الوحيد من الكبار الذي يختلط  معهم .. بل يشاركهم  ألعابهم .. انه الوحيد الذي لا ينساهم عند عودته من السفر ..   لا بد أن ياتى لهم بشيء – كرموس – التمر الجاف – حلوى – يوزع عليهم بالتساوي ، حتى الغائب يحفظ له حقه لحين حضوره  .. انه الوحيد الذي سعى  لعلاج ابنه الصغير " حموش " ..لم يترك به شيخ زاوية ولا واليا إلا و زاره طلبا لشفائه ... وصل به لغاية سيدي الحملاوى بقسنطينة والسفر يوم ذاك إلى قسنطينة ، كمن يسافر اليوم إلى ابعد نقطة على الكرة الأرضية  . ..تلك هي الإمكانات الموجودة للعلاج يوم ذاك ، أما الطب الحديث فالناس لا يؤمنون به ، خاصة انه وصل إلى الجزائر مع المحتل الظالم ... الأطباء على قلتهم " ذي روميان " والأدوية على قلتها

" ايروميان " .. والتعامل مع " ايروميان " نقيصة .. بل خيانة .. وبابا الحسين لا يمكن أن يكون ناقصا آو خائنا ... انه أول من الحق ابنه إحدى الزوايا ، حيث حفظ بضعة أحزاب من القران الكريم ، وتعلم إلى حد ما مبادئ القراءة والكتابة باللغة العربية ، فنال بذلك لقب فخري من سكان القرية ، وصار اسمه " سي حموش " بدل حموش .

في نوفمبر 1954 م بدأت إنباء العمليات الفدائية تصل إلى الأذان همسا ، فى نفس الوقت حضرت فرقة " الجندرمة " ، وحذروا السكان من جماعة "لي اورلالوا – ليروبيل – المخربين – المشوشين " ، فالحوا على الناس أن يبلغوا عنهم حال ظهورهم في النواحي ، وأكدوا أن الدولة الفرنسية مستعدة للدفاع عن السكان ضد هذه الجماعات الهمجية – هذه كانت أول بادرة " اصاصية " بامتياز يبثها ضد الثورة ، وفاته أن الشعب مهما كان بسيطا لا يمكن أن يصدق عدوه أو يثق به فصارت دعايته وإشاعته كالماء فى الرمل لا تسقى ولا تنبت –

بعد ذلك بأسابيع قليلة بدأت طلائع " الثوار – الخاوة " تصل تباعا إلى عين بقرة : " السرجان أكلى – السرجان السعيد – افظيص – المجيد – سي يذير  - سي لحلو – مسعود ناث اسليمان – عمرانى- محند الصاح – احجيلة اوقاباش  " وغيرهم .......وغيرهم ..........

أول ما قام  به المجاهدون عند وصولهم إلى عين بقرة  اجتماع تنظيمي ، جمعوا السكان كلهم في الجامع ، بداية حدثوهم عن الثورة " انطلاقها -أهدافها – غايتها – مراميها – ضرورة دعمها والمشاركة فيها بفعالية " ثم عينوا المسئولين ، فوقع الاختيار  على :

1 – سماش عاشور مسؤولا للنظام " شاف النظام "

2 – دحمونى أسعيد مسؤول المسبلين

3 – ميدينى الحسين مسؤول التمويل ، مهمته : جمع الاشتراكات والتبرعات – الإنفاق على أكل وشرب المجاهدين ، المهمة ليست سهلة إلا انه قام بها على الوجه الأكمل .

هكذا تحولت عين بقرة إلى عين الثورة ... صارت مركزا استراتجيا للثورة ... فرقة من المجاهدين تخرج ، والأخرى تدخل ،وهذه تعبر وتلك تتمركز في معروف ، آو في ثابورث اوشقوف ، وهذه تتدرب في أزقة وضواحي القرية ... قيادات جيش التحرير حاضرة بصفة دائمة تعمل على التوعية والتعبئة لكل فئات الشعب ... رجالا ونساء ، حتى الأطفال خصصوا لهم وقتا .. كانوا يجمعونهم كل ليلة تقريبا فيحدثونهم عن المحتل وظلمه واعتداءاته ... عن الثورة وأهدافها.. عن الحرية.الاستقلال

التضحية .. الجهاد.. الفداء  ... الاستشهاد والشهداء و جزاءهم عند رب العالمين ، مع  تحفيظهم بعض الأناشيد الوطنية " من جبالنا ...علمي ...

إلى اللقاء .. موطني.. وغيرها " . ( هذه الالتفاتة إلى الأطفال كانت بحق أول لبنة في بناء مدرسة أشبال الثورة التي ظهرت فاعليتها فيما بعد أي في السنوات الأخيرة من الثورة ، والمشرفان عليها هما : سي المجيد وسي يذير رحمهما الله )– سأخصص مقالا لأشبال الثورة وما قاموا به من أعمال ثورية ومساهماتهم فيها في غير هذا المقام –

هكذا كانت عين بقرة .. عفوا عين الثورة كخلية نحل ، وبابا الحسين قائم على قدم وساق .. لقد برهن بحق على قدرته وكفاءته في الإدارة ، والتسيير ، والاقتصاد  .

ذات يوم..في إحدى القرى المجاورة حدث نزاع بين إفراد إحدى العائلات .. احدهم حين لم يحصل على ما اعتبره حقا له عند المجاهدين توجه إلى الكبتان دالماص في ثكنة " تيكرين " فوشى بخصومه وحدث ما حدث ... بلغ خبره إلى  جيش التحرير فاجتمع مسؤولوه في عين بقرة ..

عفوا "عين الثورة " للبث في أمره ... أثناء المداولات رأى بابا الحسين أن الحكم ذاهب باتجاه الإعدام  فتدخل قبل صدوره قائلا : اسمحوا لى أيها الإخوة ... انا أرى انه من اللائق أن نتصل بالرجل فنحذره ، وننبهه إلى خطورة ما أقدم عليه ، ونطالبه بالتوبة والعودة إلى صف الثورة . إن تاب واستغفر وعاد إلى صف الثورة فنعم بالله، وذلك ما ننشده.. و إن كابر.. وعاند .. وصمم على غيه  ..عندها لا يلومن إلا نفسه .

ألزمهم الحجة .. ولم يجدوا إلا النزول عند رأيه ، مع تكليفه بمهمة الاتصال بالرجل ..

ذهب بابا الحسين إلى القرية المجاورة رفقة الشيخ مولود خليفى .. اتصلا بالرجل ... حدثاه ناصحين له بصدق ، فطلب منهما  مهلة للتفكيروضرب لهما موعدا ... فى اليوم الموعود عادا إليه وكلهما أمل في عودة الرجل إلى جادة  الصواب ، لكن الخائن " إياه " نصب لهما كمينا .. اعتقلهما دالماص في بيته وساقهما مغلولين إلى ثكنة " تيكرين " وهناك سلط عليهما عذابا شديدا ... لم يترك وسيلة تعذيب إلا وجربها عليهما .. حين فشل في انتزاع أي اعتراف منهما قرر اغتيالهما بدم بارد ( في ذمة الكبتان دالماص قائد ثكنة تيكرين أربعة اغتيالات لأسرى الحرب فى عين بقرة لوحدها .. أربعة جرائم حرب طبقا للمعاهدات والمواثيق والقوانين الدولية .. لا تسقط بالتقادم .. جرائمه هذه موثقة بالأسماء وهم:

-1- الشهيد ميدينى الحسين .رحمه الله

-2- الشهيد خليفى مولود .رحمه الله

-3- الشهيد ميدينى أحسن .رحمه الله

-4- الشهيد ميدينى أسعيد .رحمه الله . هذا الأخير اغتاله واخفي جثته .)

في" اغزا ر  امبوشيخ " خارج الثكنة نفذوا جرمهم  ، ثم أرسلوا من يبلغ السكان الخبر ومكان وجود الجثتين .( وغرضهم من ذلك ترويع الناس وإخافتهم )

توجهت مجموعة من السكان إلى المكان فعبؤوهما في " شوارى " على ظهر بغلة حمراء وأضافوا حجرا من جهة بابا الحوسين لتعديل الميزان .

بابا الحسين كان قصير القامة ،لا يتعدى وزنه 65 كغ أما الشيخ المولود كان  طويل القامة وزنه يتعدى 80 كغ  .. في النادراحمد الهامل انزلوهما وأخرجوهما من "شوارى "  .. بابا الحسين كان معصوب الرأس بعمامة تحول بياضها حمرة .. مشهد الدم على جسديهما وعلى ما بقى من ثياب عليهما مازال ماثلا أمام الأعين.. صورة لا يمكن للسنين الطوال أن تمحوها .. اجتمع السكان حولهما لإلقاء النظرة الأخيرة عليهما .. ثم حملوهما إلى " تيمكلالت " .. وهناك وريا التراب رحمهما الله واسكنهما فسيح جنانه  وإخوتهم الشهداء .. جميع الشهداء.

( هذه شهادة شبل الثورة التحريرية للتاريخ كما عاشها بحواسه ووجدانه)

      

                           تحيا الجزائر

                   المجد والخلود للشهداء الإبرار

تمت بعون الله كتابة هذه القصة يوم الاثنين 18 /11/ 2013 م

                                                     التوقيع

                                              شبل الثورة التحريرية    

 

                     

تاعوينت امخلوف حيث سقط الشهيدين ميديني حسين وخليفي مولود

 

                          السجينة رقم 2

المسبلة السجينة جمجومة ياهو- رحمها الله - من مواليد 1918 بقرية أولاد عبد الله ..

حرم الشهيد البطل رابح ميدينى رحمه الله .                                كانت  - رحمها الله - من المسبلات الناشطات المداومات ، من بداية الثورة لغاية الاستقلال ، لاسيما بعد انخراط زوجها فى صفوف جيش التحرير الوطني رغم تقدم سنه ... جيش التحرير يومها يرفض تجنيد المسنين إلا لضرورة أو لاضطرار... عمى رابح رغبة منه في الالتحاق بصفوف جيش التحرير خلق وضعية اضطرارية ، بذلك وضع قيادة جيش الحرير أمام الأمر الواقع ، وليس لهم إلا أن يقبلوه جنديا فى صفوفهم .. والحكاية هي أن عمى رابح كان يملك بندقية صيد مسجلة عند السلطات الفرنسية.. المفروض أن يسلم البندقية للسلطات الفرنسية التي سعت مع بداية الثورة لجمعها، وجيش التحرير كان قد سمح لمن يملك بندقية مسجلة بتسليمها ، تفاديا  لمخاطر الجيش الفرنسي الذي يتخذ من عدم تسليمها ذريعة لارتكاب جرائمه ،لاسيما أن المسجلة بأسمائهم كبار السن ... لكن عمى رابح كابر وعاند .. رفض تسليمها لغرض فى نفس يعقوب ، وقد تحقق غرضه ، حيث التحق بإخوانه المجاهدين وهو يقارع عدوه لسنوات : 56 – 57 -58 -59 -  1960 – سنة استشهاده .. خمس سنوات.. كل سنة ب365 يوما .. كل يوم يعادل عشر سنوات ..  كل سنة تعادل قرنا .. كل يوم بقصة ... أخر يوم لآخر قصة كان في "ابوليل " مكان سقوطه شهيدا - رحمه الله – وجميع شهداء الوطن .

أما زوجته " لالة جمجومة  " المرآة القوية .. الشجاعة، فقد تحدت كل الصعاب.. كل المخاطر .. كل العوائق .. لا همجية المظليين ، ولا وحشة الليل ، ولا خطورة المناطق المحرمة ، ولا الأسلاك الشائكة ، ولا

عيون العملاء المركزة عليها ، وحولها ، ترصدها حتى وهى نائمة .

كل هذا لم يخفها ... لم يردعها ... لم يمنعها من الاتصال بالجاهدين لخدمتهم .. لخدمة الثورة... لخدمة القضية المقدسة.. ذلك قبل انخراط زوجها فى صفوف جيش التحرير وبعده .. قبل استشهاده وبعده ... قبل تهجيرها وسكان عين بقرة وبعده ... قبل اعتقالها وبعده .

نعم .. يوم اعتقالها مازلت اذكره.. اذكر مشهد شاحنة "كات /كات " مسبوقة بسيارة "جيب " تمخران عباب طريق "اغيل ايحداذن " مخلفتين وراءهما غبارا كثيفا ، متجهتين نحو القرية ، وبوابة الأسلاك الشائكة المحيطة بالقرية لم تفتح بعد .. لم يحن وقت فتحها ..

في "أغريب "  نزل قائد الفرقة من سيارة "جيب " وبيده كناش .. فتحه وقرا : ياهو جمجومة .. مدام الفلاقى ميدينى رابح .. لتأتي حالا ..........

                                                                           خرجت لالة جمجومة من بيتها ... سارت نحو القائد بخطوات ثابتة، رزينة ... لا خوف ولا وجل يشوبها .. وقفت إمامه وهي تنظر إليه .. في عينيه كاللبؤة  ...

زمجر القائد قائلا : إلى الشاحنة ... هيا ... اصعدي إلى الشاحنة .

صعدت إلى الشاحنة بشموخ وكبرياء ...فانطلقت بها نحو" تيليوا" ، وما أدراك ما " تيليوا "

كل ذلك .. وانأ ارقب المشهد مغتاظا ... الأمر عندي يتعلق بالعرض ، والشرف ... الشرف كله محصور في المرأة عندي يوم ذاك .. تمنيت لو كنت كبيرا لانتقم منهم ، لكن ما باليد حيلة ، كنت في العاشرة من العمر، لا املك إلا دموعا اسكبها .... سكبتها بلا تقشف ، والألم يعتصرني .. أملى الوحيد فى عمى رابح ... نعم .. يجب أن يثار لهذه الإهانه .. لابد أن يثار لنا...

بمجرد أن فتحت بوابة السياج الشائك كنت خارجها ،أسوق شويهاتى جريا .. تاكلاماست- ابر بار – أيفرى – تاجعمامت – مباشرة إلى تيزى .هناك تركت النعاج ترعى ، واتجهت نحو تله حمو واسعاذة ،لعلى أجد هناك عمى رابح .. كثيرا ما كنت التقى به هناك ... وأنا قريب من قمة التلة فإذا بي اسمع صوتا يناديني : قاسى ..قاسى ..                   توقفت ملتفتا نحو مصدر الصوت، فرأيت عمى رابح بين شجيرات ، ووجهه نحو القرية ، كانى به يراقب الداخل والخارج منها ...توجهت نحوه ... سلمت عليه ، ثم جلست إلى جانبه ، فقلت والغصة تخنقني ، والدموع معلقة باهدابى : عمى رابح ...... فسكتت ..( الكلمات توقفت في حلقي.. أبت الخروج ....هناك عائق لابد من إزاحته أولا ..... فأطلقت الحرية للطبيعة ، وراحت الدموع تنحدر مدرارا )                        مد عمى رابح يده فضمني الى صدره ، وبيد أخرى يمسح على راسي ووجهي وهو يقول : اهدأ  يا ولدى ... لا شيء فى هذه الدنيا يستحق منا كل هذه الدموع ....كل ما يصيبنا من عند الله ... الست مؤمنا بالله ؟

ظل معى كذلك يهدئني الى أن زالت عنى تلك الغصة ، وانتهت الحشرجة وانفتح انسداد حنجرتي .. ثم قال وهو فى لهفة : هيه ..ماذا أردت قوله...

 تكلم بهدوء .

قلت : هذا الصباح جاء عساكر فرنسا واعتقلوا لالة جمجومة ، وذهبوا بها  الى ثكنة تيليوا

قلت ذلك وانأ انظر إليه من خلال دموعي أراقب ردة فعله .... كنت أتوقع منه أن يغضب... يثور  .. يتخذ قرارا حاسما بالثار والانتقام ،

فإذا بي أراه عكس ذلك تماما... رايته هادئا مبتسما ابتسامة عريضة، ثم وضع يده بين كتفي وقال: كل هذا جهاد يا ولدى.. نعم ..جهاد .. أتعتقد ان الاستقلال ياتى هكذا بدون تضحيات ؟ .. كل شيء بثمنه ، والاستقلال ثمنه غال .

ليس لى إلا أن أصدقه مقتنعا .. وهكذا تعلمت منه درسا مفيدا .. توسع لدي مفهوم لفظة الجهاد .. وتعمق عندي مفهوم التضحية .

فى " تيليوا " أخضعت لالة جمجومة لأقسى انوع التعذيب الجسدي ، والنفسي ... ناهيك عن الاهانات  . رغم ذلك لم يتمكنوا من انتزاع اي اعتراف منها ... مكثت هناك على تلك الحال ما يقارب أسبوعين  ، ثم أطلق سراحها فاستقبلت بالزغاريد استقبال الإبطال .. ذلك كله لم يثبط عزيمتها ، بل زادها عنادا وإصرارا على مواصلة النضال ، فازداد نشاطها الثوري وهي تسجل موقفا مشرفا بعد موقف .

فى ذلك اليوم التاريخي جاء من يبلغها باستشهاد زوجها " عمى رابح " قرب قرية " ابوليل " – يومها كانت منطقة محرمة ليلا – جنوب قرية أولاد راشد . . فتطوع بعض أفراد العائلة  لإحضار جثمانه ، وانطلقوا نحو المكان ( قال بعضهم : أنهم لاحظوا وجود قشرات البصل على طول حافة الطريق من قرية أولاد راشد الى مكان سقوط الشهيد ، بين القشرة والأخرى خمسون أو مئة متر  .. هناك الى جانب الشهيد وجدوا قطعة كسرة من الشعير ) ... هناك صنعوا له نعشا على شكل سلم فوضعوه فيه وجاؤوا به محمولا على الأكتاف .

فى تلك المعركة اسر ثلاثة من رفاق الشهيد وهم :

1 – كفيل السعدى – الذى أطلق سراحه بعد أشهر ، فاغتنم الفرصة والتحق بصفوف جيش التحرير من جديد . . هو حي يرزق الى الآن أطال الله فى عمره  .

2 – موسى أحسن – توفى بعد الاستقلال بأشهر فى حادث سيارة رحمه الله   .

3 – أحسن اومالو – لا اعرف عنه شيئا بعد ذلك

وصلوا به الى القرية ... ادخلوه الى الحوش فوضعوه هناك ( العائلة الكبيرة كلها هناك – كبارا وصغارا – نساء ورجالا ).. تقدمت لالة جمجومة وجلست عند رأسه وهي ثابتة .. رزينة.. شجاعة كعادتها. ثم طبعت قبلة على جبينه ومررت كف يدها على وجهه قائلة : أيها البطل لقد أضفت لنا شرفا على شرف .. رفعت رؤوسنا عاليا فى عنان السماء .

نم قرير العين أيها البطل .. نعاهدك أننا عن الدرب لا ولن نحيد أبدا ..

ثم نهضت واقفة وهي تقول: لا أريد أن أرى دمعة... لا أريد أن اسمع آهة ... أريدها زغرودة يتردد صداها عند عقيد ثكنة ازريبة ....

عندها  احترقت المادة فى الأعماق .. سخنت الدماء وغلت .... تصاعد البخار الى الرؤوس وفارت ... اقشعرت الأبدان وانتفشت الشعور ، وانطلقت حناجر البنات بزغرودة تردد صداها فى إنحاء الدنيا ، فتلقفتها الملائكة شهادة عن الشهامة .. عن البطولة .. عن التضحية . وتلتها تكبيرة الرجال فسجلتها ملائكة الرحمان شهادة إيمان وتوحيد .

حمل على الأكتاف مرة أخرى نحو المقبرة .. وهناك احتضنه التراب شهيدا – رحمه الله – وجميع شهداء الوطن.

كل ذلك لم ينل من عزيمة لالة جمجومة ... واصلت درب النضال بنفس الهمة الى أن جاء الاستقلال فسعدت به أيما سعادة ، وكذلك عاشت الى ان اختارها الرفيق الاعلى الى جواره – رحمها الله واسكنها فسيح جنانه

(هذه شهادة شبل الثورة التحريرية للتاريخ كما عاشها بحواسه ووجدانه )

                                   تحيا الجزائر

                        المجد والخلود للشهداء الإبرار

تمت بعون الله كتابة هذه القصة يوم الاربغاء 19 / 11 / 2013 م

                                                التوقيع

                                           شبل الثورة التحريرية



20/07/2014
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 54 autres membres